الشريف المرتضى

211

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

فعل اللّه تعالى عنده العلم الضروريّ لم يسبق بشبهة أو تقليد إلى اعتقاد نفي موجب الخبر ؛ لأنّ هذا العلم إذا كان مستندا إلى العادة وليس بموجب عن سبب ، جاز في شروطه النقصان والزيادة بحسب ما يعلم اللّه تعالى من المصلحة . وإنّما احتجنا إلى هذا الشرط لئلّا يقال لنا : أيّ فرق بين خبر البلدان والأخبار الواردة بمعجزات النّبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم سوى القرآن ، كحنين الجذع « 1 » وانشقاق القمر « 2 » وتسبيح الحصى « 3 » وما أشبه ذلك ؟ ! . وأيّ فرق أيضا بين أخبار البلدان وخبر النص الجليّ على أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام الّذي تنفرد الإماميّة بنقله ؟ ! وألّا أجزتم أن يكون العلم بذلك كلّه ضروريّا كما أجزتموه في أخبار البلدان ؟ ! وغير ممتنع أن يكن السبق إلى الاعتقاد مانعا من فعل العلم الضروريّ بالعادة ، كما أنّ السبق إلى الاعتقاد بخلاف ما يولده النظر عند أكثر مخالفينا مانع من توليد النظر للعلم ، فإذا جاز ذلك فيما هو سبب موجب ، فأولى أن يجوز فيما طريقه العادة . وليس لأحد أن يقول : فيجب على هذا أن لا يفعل العلم لمن سبق إلى اعتقاد نفي المعلوم ، ويفعل لمن لم يسبق ، وكان يجب أن يكون العلم الضروريّ حاصلا لجماعة المسلمين لما ذكرناه من المعجزات ، وكان يجب أيضا أن يكون الإماميّة عالمة بالنصّ ضرورة . وذلك أنّه يمكن أن نقول : إنّ المعلوم في نفسه إذا كان من باب ما يمكن السبق إلى اعتقاد نفيه إمّا لشبهة أو تقليد ، لم يجر اللّه العادة بفعل العلم الضروريّ به ، وإن كان ممّا لا يجوز أن يدعو العقلاء داع إلى اعتقاد نفيه ، ولا يعترض شبهة في مثله ، كالخبر عن البلدان ؛ جاز أن يكون العلم به ضروريّا وواقعا عند الخبر بالعادة . وليس لهم أن يقولوا : فأجيزوا أن يكون في العقلاء المخالطين لنا السامعين

--> ( 1 ) راجع سنن الدارمي ، 1 : 16 . ( 2 ) راجع صحيح البخاري ، 4 : 186 . ( 3 ) فتح الباري ، 6 : 433 .